الغزالي

93

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وروي : أن اللّه تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام : يا موسى إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك ، وكن عند ذكري خاشعا مطمئنا ، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك ، وإذا قمت بين يدي فقم قيام العبد الذليل ، وناجني بقلب وجل ، ولسان صادق . وروي : أنّ اللّه تعالى أوحى إليه : قل لعصاة أمتك لا يذكروني ، فإني آليت « 1 » على نفسي أنّ من ذكرني ذكرته ، فإذا ذكروني ذكرتهم باللعنة . هذا في عاص غير غافل في ذكره ، فكيف إذا اجتمعت الغفلة والعصيان . قال بعض الصحابة رضي اللّه عنهم : يحشر الناس يوم القيامة على مثال هيئتهم في الصلاة من الطمأنينة والهدوء ، ومن وجود النعيم بها واللذة . ورأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رجلا يعبث « 2 » بلحيته في صلاته فقال « لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه » . وقال : « من لم يخشع قلبه ردّت صلاته » . واعلم أنّ اللّه مدح الخاشعين المتواضعين في الصلاة في غير آية فقال : فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ « 3 » ، عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ « 4 » ، عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ « 5 » . قيل : إن المصلّين كثير والخاشعين في الصلاة قليل ، والحاجّ كثير ، والبارّ قليل ، والطير كثير ، والعندليب قليل ، والعالم كثير ، والعامل قليل ، والصلاة محلّ الخضوع ، ومعدن التواضع والخشوع ، وهذا علامة القبول فإن للجواز شرطا ، وللقبول شرطا . فشرط الجواز : أداء فرضها ، وشرط القبول : الخشوع ، قال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ « 6 » والتقوى ، قال اللّه تعالى : إِنَّما يَتَقَبَّلُ

--> ( 1 ) آليت : أقسمت . ( 2 ) يعبث : يحرك . ( 3 ) سورة المؤمنون ، الآية : 2 . ( 4 ) سورة المؤمنون ، الآية : 9 . ( 5 ) سورة المعارج ، الآية : 23 . ( 6 ) سورة المؤمنون ، الآيتان : 1 ، 2 .